الأحد، 25 يناير، 2009

جسد العشيقة والموساد


في حي الكاظمية ببغداد ولد عيزرا خزام عام 1924 لأسرة ثرية تعمل بتجارة الذهب والمشغولات الثمينة. ونشأ منذ طفولته نشأة يهودية تقليدية، منكباً على كتبه الدراسية بعيداً عن مهاترات الشباب وطيشهم، الى أن التحق بكلية الطب في بغداد وتخرج منها عام 1953، ليعمل طبيباً بالمستشفى المركزي، مرتقياً السلم الوظيفي والمهني سريعاً نظراً لمهارته الفائقة في عمله.وفي المستشفى تقابل مع إحدى الممرضات اليهوديات وتدعى "جنة" التي تسلمت عملها حديثاً، فانبهر بجمالها الفتان وأنوثتها الفتاكة، وغرق في حبها دون أن يدري. . أو يقاوم. ففي ذلك الوقت، كانت ضغوط أسرته ليتزوج تزداد يوماً بعد يوم. . واختار له والده ابنة تاجر يهودي ثري، رآها عيزرا عدة مرات في المناسبات الدينية والعائلية، لكنها لم تترك لديه أثراً يدعوه ليقترب اليها. فصارح والده بمشاعره تجاه ابنة صديقه، وانشغل بعمله وبحبه لممرضته الحسناء.وحدث ذات مرة أن تجرأ وأعلمها بحبه، فاستنكرت ذلك منه للفروق الشاسعة بينهما، فهي ابنة يهودي فقير، يمتهن النحت والنقش على النحاس، ولا قبل لأسرتها به. لكنه تناسى كل الفروق غير عابئ بفقرها، فهي غنية بالجمال الوفير. . وهذا يكفيه.استجابت جنة لعواطفه، وانقادت هي الأخرى تجاهه، مانحة إياه مشاعرها وقلبها عن قناعة. لكنه حبه لها كان أضعاف ما تكنه هي من حب. لذلك كان شديد الغيرة، يطاردها في ردهات المستشفى، وفي كل مكان. ولما صارحته بأنها لم تعد تطيق تصرفاته، عرض عليها الزواج في أسرع وقت، فرفضت بإصرار دون أن توضح لذلك سبباً.تحير الدكتور عيزرا في أمر حبيبته، وساورته الشكوك والريب، لكنها قطعت عليه الطريق، واعترفت له بأنها قررت ألا تتزوج في بغداد مهما امتد بها العمر، إذ هي تحلم بالحياة في إسرائيل، والزواج هناك بمن يحبها، ويريدها.أسقط في يده، ولم يسعفه عقله ليقول أي شيء. فلما طال صمته، همت بالانصراف، لكنه جذبها بشدة وبعينيه شعاعات من تحد، وقال إنه يوافق على زواجها في بغداد ثم يسعيان معاً بعد ذلك للهرب الى إسرائيل. رفضت جنة ما أبداه من رأي .. ذلك لأن أسرته لن توافق على زواجهما، وبالتالي سيخسر الكثير وهو الذي اعتاد الحياة الناعمة بما يغدقه عليه والده من أموال.وتمر الأيام وحبيبته في تبدل مستمر تجاهه، فيفطر قلبه، ويسير كطفل رضيع يسعى لحضن امه الدافئ، يتلمس بين أحضانها الأمن والحنان. فكانت ترقب حبه الطاغي لها في تدلل، حريصة على ألا تمنحه ولو جرعة قليلة من أمل في زواجهما ببغداد.لقد بدد إصرارها على الهجرة أمنه، وأحال ليله الى كابوس مقيم خوفاً من صدمة اختفائها المفاجئ. لذلك أسرع بتأجير شقة جديدة بشارع السعدون كعيادة، ورجاها أن تقبل العمل معه لتكون بقربه طوال اليوم، فوافقت واثقة من شدة تعلقه بها، وكانت تمضر له أمراً.لقد تحينت الوقت المناسب، وصارحته بأنها تعمل لصالح الموساد الاسرائيلي منذ مضي العام، وتنتظر انتهاء المهام المكلفة بها ليتحقق حلمها بالهجرة.هزه الأمر وبعثر عقله، واضطربت له قسمات وجهه وحياته كلها، ولأنه يحبها لدرجة الجنون، لم يشأ أن يرفض مسلكها فيخسرها. لحظتئذ.. عانقته في امتنان، وأذاقته قبلة كالبركان أذهبت بإرادته، فكبلته معها بسلاسل من إثارة أنثوية فضحت ضعفه وخضوعه.وبعد مرور عدة أيام – كانت أثناءها تختلي به كثيراً لتمنحه المزيد – طلبت منه أن يستقبل رئيسها في "العمل". ومثله . . مغيب العقل والإرادة، لم يستطيع أن يرفض هذا الأمر.وفي اللقاء الأول بينهما، شرح له العميل الاسرائيلي الكثير عن معاناة السواد الأعظم من اليهود في العراق، ورغبة الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة في العمل على تهجير أكبر عدد منهم، إشفاقاً لحالهم أولاً، ولحاجة الدولة اليهودية اليهم ثانياً.هكذا تم اللقاء بينهما في هدوء. . ولم يغادر "الرئيس" العيادة إلا وأقنع الدكتور عيزرا، بضرورة الانضمام للمنظمة السرية الصهيونية، التي تنتشر فروعها في كل العراق.لقد كان للحب أثره العجيب. . إذ رحب الدكتور عيزرا بالعمل مع المنظمة، واتخاذ عيادته مقراً للقاءات السرية، بعيداً عن أعين رجال المخابرات، الذين ينقبون عن الخونة في كل مكان.يا الهي . . ماذا فعل العراق بهؤلاء لينتقموا منه هكذا؟ جيوش من الخونة تفتك بأمنه، ويعملون فيه مباضعهم بلا رحمة، كأنهم رضعوا الخيانة متوارثة في جذورهم البعيدة المتوغلة في التاريخ السحيق.باع الدكتور عيزرا وطنه بخساً للصهيونية، وكأنه ما ولد وعاش وتعلم على أرضه، وشرب من مائه، وتنسم هواءه. وأخضع لدورة تدريبية على أعمال التجسس، بواسطة ضابط إسرائيلي تسلل خصيصاً عبر شط العرب لتدريبه، ثم سافر الى البصرة للحصول على دورة أخرى في استعمال جهاز اللاسلكي، ورجع الى بغداد يحمل حقيبته الطبية، بداخلها الجهاز الثمين.لقد اشتد ايمانه – كيهودي – بمهمته، وتعاظم حبه لإسرائيل متوازياً مع حب جنة، قانعاً بضرورة الهجرة اليهودية لتشتد الدولة، وتقوى أمام الجبروت العربي والجيوش التي تتسلح سراً لتدميرها.ثم انقلب اهتمامه بقضية التهجير، الى البحث في خبايا القوة العسكرية العراقية. هذا الأمر شغله تماماً واستحوذ على تفكيره. فقد كان يرى أن لديه قدرات هائلة، للعمل في مجال الأسرار العسكرية، التي تتنامى في الخفاء. أما مسألة التهجير فبإمكان آخرين أقل حرفية منه القيام بها.كانت حبيبته وعشيقته جنة توافقه في رأيه، وتؤيده، وتدفعه دفعاً بغريزة الخيانة التي ولد بها اليهود، فأقنعته بضرورة استخدام جسدها معبراً للوصول الى معرفة نوايا العراقيين، وخطط التسليح التي يضعونها للجيش، بالسيطرة على أعصاب عدد من الضباط، يتم الإيقاع بهم في حبائلها.إن تعدد الانقلابات العسكرية للوصول الى الحكم، منذ الإطاحة بالملكية عام 1958، جعل من الجيش العراقي لغزاً يصعب التكهن به. فكل رئيس جديد – وهو عسكري بالطبع – له بعده السياسي وقراءته الخاصة لخريطة الجيش وتضاريسها. ولقصر مدد الحكم، أصبح من العسير وضع رؤية محددة تترجم السياسات والنوايا. فالعراق يأتي في المرتبة الثانية بعد سوريا، في عدد مرات الانقلابات التي وقعت منذ استقلاله، حتى وصول صدام حسين الى الحكم.من هنا، ولهذه الأسباب، انشغل الدكتور عيزرا بأسرار السياسة والجيش في العراق، بعدما تبين له أن هناك دلائل قوية، تشير الى مساع جادة لتسليح الجيش بأحدث الأسلحة السوفييتية، لمساندة دول المواجهة في صراعها ضد إسرائيل من جهة، وللوقوف ضد اطماع إيران من جهة أخرى.فسياسة التخويف التي اتبعها الشاهنشاه محمد رضا بهلوي في المنطقة، كانت سبباً مهماً للبحث عن مصادر السلاح، وتدريب الجيش، ورفع درجة كفاءته واستعداده وتأهبه.فكيف طوع الدكتور عيزرا جسد حبيبته لخدمة الجاسوسية؟ثور آشورالبداية كانت بطريق الصدفة البحتة، عندما لاحظت جنة نظرات ذات مغزى تفهمها الأنثى، لأحد المترددين على مكتب المحامي المواجه للعيادة. فلم تعر الأمر انتباهاً في البداية، لكن بعدما شاهدت الشخص نفسه بعد عدة أيام، وهو يرتدي البزة العسكرية برتبة عقيد، رمقته بسهم من لحاظها فأردته قتيلاً، وفوجئت به يدلف الى العيادة كالمنوم التائه، يطلب منها مستأذناً استعمال التليفون. كانت حجة واهية تفضحها نبرات صوته ونظراته العطشى، زادتها ثقة في مواهبها، وطغيان أنوثتها.ولأنه صيد ثمين لا يقاوم، تعاملت معه برقة متناهية، مبدية إعجابها بزيه العسكري المهندم. فأذكت غروره، وأيقظت لديه روح المغامرة، والشوق الى العشق واندفاعات الشباب، فداوم على الاتصال بها تليفونياً يسمعها كلمات الإطراء، بينما هي تصده في دلال جاذب ساحر.أطلعت عيزرا على ما تنويه للإيقاع بالعقيد عبد الجبار، فوافقها معرباً عن سعادته بإخلاصها للعمل، ورسما معاً خطة اصطياده المحكمة.أعدت إحدى حجرات العيادة إعداداً جيداً، حيث زودت بأحدث كاميرات التصوير والأجهزة اللاقطة للصوت، ولما اتصل بها عبد الجبار ذات مساء أنبأته أنها بمفردها بالعيادة لسفر الطبيب. ابتلع الضابط الطعم، وعرض عليها أن يتناولا العشاء سوياً فأجابته باستحالة ذلك لأنها تنتظر مكالمة هامة من الدكتور عيزرا . . حينئذ عرض عليها أن يحمل العشاء الى العيادة ليتناولاه معاً، فرحبت بعد تمنع خبيث، وهكذا ذهب برجليه الى النهاية.فبعد العشاء سحبته الى الحجرة "الملغمة"، واكتشفت أن العقيد الفارع الطول، ذو الوجه العسكري الصارم والشارب الكث، يعاني ضعف رجولته، إلا أن العميلة المحنكة، أشعرته بأنه فحل من فحول "نينوى" ، وثور من ثيران "آشور" القديمة. فأقبل عليها نهماً كالجائع المجوع، لا يمل مذاقها أبداً ولا يشبع.ولأنه يعرف "قدر" نفسه جيداً، أراد تعويض هشاشة رجولته بالظهور بمظهر الضابط الكفء، لذلك استجاب لتساؤلاتها، متباهياً بأهميته وعلمه بأمور الجيش وأسراره، تندفع منه المعلومات العسكرية كالشلال المحبوس، لا شيء يصده، أو يمنعه، للدرجة التي جعلت عيزرا يستغيث برؤسائه في "عبادان"، أن يبعثوا بمن يتسلم عشرات التقارير الغاية في الأهمية، والتي لا يستطيع اختزالها وبثها لاسلكياً.لقد تحول العقيد عبد الجبار لكلب طيع أليف، أوهمته جنة بفحولته فعوضها بأدق الأسرار العسكرية، وحمل اليها خرائط تفصيلية لقواعد الصواريخ، والدفاع الجوي والمطارات، ليستعين بها في شروحه. فكانت تبدو متغابية أمامه ليسترسل أكثر في فضح ما برأسه من خبايا الجيش، وتتضاعف بذلك أشرطة التسجيل والإفلام التي تحمل الى إيران، ثم تنقل فوراً الى إسرائيل.اتسعت عضوية شبكة الدكتور عيزرا، بفضل جسد الحبيبة المثير، لتشمل فئات أخرى عديدة في المجتمع الراقي ببغداد.خمس سنوات كاملة اكتسب خلالها الطبيب اليهودي خبرات واسعة في فنون التجسس، وكيفية تجنيد العملاء والسيطرة عليهم، ملتزماً بالحس الأمني العالي، والسرية المطلقة لتحركاته. فتعدى نشاطه التجسسي نطاق الجيش، والتسليح، وانشغل بكل ما يخدم مصالح إسرائيل في العراق.وبفضل علاقاته وتشعب مهامه، أمكن له تهريب أكثر من مائتي يهودي عبر "الفاو" و "شط العرب" الى ميناء عبادان، وتسريب تقارير اقتصادية وعسكرية لإسرائيل لا تقدر بثمن، فأغدقت عليه مخابراتها بالمال الوفير الذي ينفق منه بسخاء على أعوانه، ويتشري به ذمم الضعفاء في كل موقع يريد اقتحام أسراره.هكذا استمر عيزرا يعمل في الخفاء، ملتزماً بمبادئه كيهودي يعمل لصالح وطنه الجديد، مشجعاً لحبيبته في استدراج ضعاف النفوس الى فراشها، حيث تنزف الرجولة وتنسل مع غياب العقل كافة الأسرار سهلة بلا ضوابط.لقد سخر نفسه ووقته وحياته للجاسوسية، ونسى في خضم التزاحم أمر الحب والغرام، على العكس من "جنة" التي التصقت به، ولم تنسى للحظة أن هناك اتفاقاً بينهما على الزواج في تل أبيب.كانت تحس أحياناً كثيرة بأن آمالها مجرد سراب كاذب. فبعد سنوات في الجاسوسية، لا شيء يتحقق، ولا أحد يحس بمعاناة خوفها. فالعمر يجري وتذبل فيه أوراق الشباب، وتنطفئ رويداً .. رويداً. . أغاريد الجمال وروعة الأنوثة.تساءلت كثيراً: ما النهاية. . ؟ ما المصير . . ؟ وهل تحدث معجزة ويتحول الوهم الى واقع؟الشهور والسنوات الطويلة في انتظار الأمل أرهقتها، ودمرت بداخلها البهجة، وقطعت حبال الصبر والثقة، وزعزعت إيمانها بالعمل الذي "كان" مقدساً، إذ تملكها إحساس مقيت بأنها مجردة داعرة حقيرة، تخلع ثيابها تلقائياً لكل عابر في سبيل ماذا؟إسرائيل؟وهل يحس من تعمل لصالحهم بمعاناتها.. ؟ بامتهانها لذاتها. .؟ بجسدها الرخيص المنهك. . ؟ بالقرف الذي يصيبها بالغثيان وهي تشم رائحة الأفواه النتنة، والعرق اللزج المتعفن الذي يزيد التصاق الأجساد العارية كل ليلة؟. .أعداد من البشر لا تستطيع حصرها، من كل لون وحجم، هتكوا ستر أنوثتها، وذبحوها ضحية لأمزجتهم الشاذة.كل ذلك من أجل من؟ الأمل المنتظر بعيد المنال؟ عيزرا الحبيب ابتعد هو الآخر. لم تعد تشغله أو تثيره كما كانت من قبل. . فقد فترت غيرته ورغبته فيها، ولم تعد تمثل لديه أي شيء. فقط .. تحولت في حياته الى مجرد "معاونة" تساعده في خدمة الموساد، وامرأة تستجيب له بلا تمنع كلما أرادها. . ونادراً ما كان يفكر بذلك طوال الفترة الأخيرة.. . قتامة بشعة عششت بأفقها، وطحنتها رحى الفكر بعدما أضحت هشيم امرأة تتعذب، تتشقق ألماً، لكنها آمنت بألا تخسره.حساباتها المعقدة أوصلتها الى تلك النتيجة، فتمنت أن يرجع لها الحبيب، العاشق، الغيور، وأن يعاود عرض رغبته بالزواج لو فعلها ونطق. . لوافقت في الحال، لقبلت يديه ورأسه وقدميه فرحة مطمئنة. لكن . . هل ينطقها بعد سنوات من الصمت؟ إذن .. فلتحاول هي، فلا زالت تملك قدراً من جاذبية، وسحر، بل هي تملك ينابيع من حنان. . كان عليها أن تهدأ قليلاً لكي تستعيد توازنها، وتتكلم معه، فتستريح.لكن .. يا لسخرية القدر، فعندما تتعارض الرغبات وتتصادم الأماني، فالخسائر عندئذ بالقطع فادحة، والنتائج، قد تكون مهلكة . . !!هدم المعبدحوادث بسيطة قد تمر بحياتنا، لكن لا أحد يتصور أنها قد تجرفنا الى طريق آخر، ربما نجد فيه سعادتنا، أو ينتهي بنا الى كارثة لا نتوقعها.بديهيات فشل الفيلسوف فردريك نيتشه في تعرية مشاعره والتسليم بها، إذ أضاع عمره كله مؤمناً بفلسفة "القوة"، والدعوة لجتمع "السوبر مان"، بمعنى أن تعمل الحكومات على التخلص من الضعفاء والمرضى، وتبقى فقط على الأقوياء الأصحاء لكي ترتقي وتزدهر. فالضعفاء يستهلكون جهد الأقوياء، ووقتهم، وفي هذا استنزاف لثروات المجتمع.وعندما كان في زيارة لشمال إيطاليا، رأى حوذياً يضرب حصانه بلا هوادة لأنه عجز عن جر العربة في طريق صاعد. فأشفق نيتشه على الحصان، وأسرع بدفع العربة مع المارة، صاباً جام غضبه على الحوذى غليظ القلب، ثم اكتشف فجأة فداحة خطئه، فندم ندماً شديداً، وتراجع عن فلسفته التي أذهبت بعقله.. وقتلته.أما الدكتور عيزرا خزام، فلم يكن يشك للحظة أن "جنة" التي تعشقه لدرجة العبادة قد تسعى لتدميره، وقتله. لذلك .. استعذب تلهفها عليه وتذللها له.. وفي أعماقه كان يغمره انتشاء محبب كلما رآها خاضعة مستسلمة . . خائرة أمام حبها. . وخوفها من ذلك المجهول المتوثب المنذر بالخطر.كان طوال خمس سنوات قد مل مذاقها، وأصبح هاجسه الأكبر هو السعي بإخلاص لخدمة إسرائيل. لهذا .. نبذ حبه القديم منذ اقتحم عالم الجاسوسية، وخطا فيه خطوات تفوق ما كان يعتقد في نفسه، وقدراته. إلا أن حادثاً عابراً بدل فجأة كل شيء، وعجل بالنهاية.لقد توقف ذات نهار بسيارته في إحدى إشارات المرور ببغداد، وبينما ينتظر الإشارة الخضراء، لمح فتاة ساحرة تعبر الشارع، كانت قسماتها تفوق الآلهة "عشتروت" جمالاً، خطواتها الرشيقة كظبي، يحجل طرباً فيزداد حسناً. فتسمر مكانه يتابعها بنظريه منجذباً، وطاردها من بعدها بإصرار صياد لا يهمد.كانت الفتاة قبطية تدعى "زهيرة"، صبية في ريعان شبابها، غضة بضة، تسلب العقل والفؤاد. تقدم الدكتور عيزرا لخطبتها باذلاً أمواله لاسترضاء أهلها، مستعداً للتخلي عن يهوديته فور إعلان الموافقة.أحست جنة بنفوره منها، برغم مشاعر الحب الفياضة التي تغدقها عليه، وبحاستها الأنثوية أدركت بأن هناك امرأة. وبدأت رحلة البحث عنها حتى وقفت على الحقيقة المرة، فصعقتها الصدمة، وزلزلت ما بقي عندها من أمل ضعيف. ولما طالبته بأن يقطع علاقته بزهيرة ويتزوجها، سخر منها قائلاً:المرأة التي اعتادت كل الرجال يشق عليها أن تكتفي برجل واحد.صرخت في حدة: عيزرا . . ماذا تقول؟ أنت تعرف بالقطع أنه "عملي". . وليس حباً في الرجال.قال فيما يشبه التهكم: نعم . . أعرف ذلك. . وأعرف أيضاً أن "عملك" انقلب الى "هوس" ما له من علاج.صارخة وقد تحشرج صوتها: هوس؟ أتسمي ما يحدث بيننا هوساً.. ؟جنة. .تقاطعه: خمس سنوات وأنا أمنحك نفسي. . أتظنني "مريضة" لا حل لي؟ . . ماذا.قال في حدة: جنة . . أرجوكي . .ألأني أحبك أكثر من نفسي . . وأعمل كل ما يرضيك ويسعدك توصمني بالشذوذ؟إذن . . ماذا كنت تظنني أفعل مع طوابير أتباعك وزبائنك؟ أأكون الداعرة المهذبة؟ هم يرونني مهووسة .. فكنت أفتعل ولا أنفعل . . كنت أمنح ولا أُمنح. . أنت بنفسك طلبت مني مرات ومرات أن "أُمثل" جميع الأدوار .. أنسيت ذلك . . ؟ أم أنك زهدت فيّ؟أحببتك يوماً ما وطلبتك للزواج فتمنعت."يوماً ما" ؟ أكنت تكرهني طوال السنوات الفائتة؟ لماذا إذن كنت تعاشرني حتى شهر مضى؟كفى . . كفى . . جنة . . لا . . أريد أن أعرف يا عيزرا .. أرجوك، لا تخجل من مصارحتي .. أرجوك قلها لأستريح.لا وقت للحديث الآن .. وراءنا عمل ينتظرنا. .عيزرا . . سأنسى كل ما قلته الآن .. لكن، عاهدني أن تكون لي .. ستجدني خادمة لك . . أنا أحبك فلا تذبحني بسكين بارد أكثر من ذلك. .جنة . قلت لك كفى الآن . فما عساك تريدين؟نعم يا عيزرا . . هذا يكفي، لكن عليك أن تعلم أنني متعبة وبحاجة للراحة بالمنزل، فلا تطالبني بأي عمل الآن على الأقل.ومصدومة، محطمة، منكسرة، لملمت بقاياها، وذهبت الى السلطات تطلب السماح لها بالسفر الى إيران للعلاج ، وبعرضها على القومسيون الطبي، تبين أنها سليمة من الأمراض التي تستدعي السفر الى الخارج.لزمت جنة بيتها في محاولة "لتجميع" ذاتها المهرئة، الى أن حدثت كارثة يناير 1966، عندما ألقي القبض على "زالة" العميلة اليهودية، أثناء اقتحامها مقر شركة الإنشاءات ليلاً.لقد اعترفت "زالة" بحداثتها في عالم الجاسوسية، وبأن شريكها الذي مات بالسكتة القلبية في الشارع لحظة القبض عليه، هو رئيسها المسؤول عنها "ضابط الحالة". وأن التكليفات تجيء من عبادان لباقي أعضاء الشبكة الذين لا تعرفهم.ومع إعادة التحقيق معها عدة مرات، أوضحت بأن هناك طبيباً يهودياً لا تعرف اسمه الحقيقي كان يأوي رئيسها الذي مات.قامت أجهزة الأمن باعتقال عدد كبير من الأطباء اليهود المشكوك في تصرفاتهم وولائهم، ووضعتهم رهن التحقيق والاستجواب. وكان من بينهم الدكتور عيزرا خزام.ولما علمت جنة بأمر اعتقال عيزرا، سيطر عليها الرعب والهلع، وفكرت في نهايتها إذا ما اعترف، وباتت تنتظر كل لحظة طرقات رجال الأمن على بابها. فانضوت هلوعة، ذابلة، زائغة البصر.وبينما تقلب الصحف بحثاً عن أخبار تهمها، قرأت تصريحاً لمسؤول كبير تعهد بمكافأة سخية لكل من يدلي بأية معلومات، تؤدي للقبض على جاسوس، وحماية أي عراقي يبلغ عن تورطه في أعمال جاسوسية، مهما كان حجمها.قامت جنة على الفور وبدلت ملابسها، ثم غادرت منزلها الى وزارة الداخلية، وطلبت مقابلة المسؤول الكبير لأمر هام فسمح لها . . وأحست بصدق نبرته وهو يعيد تأكيد ما صرح به للصحف، فاعترفت تفصيلياً بأمر الدكتور عيزرا، وقصتها مع الخيانة.هكذا كشفت كل الأسرار والخبايا، وهدمت المعبد على من فيه، إذ ألقي القبض على اثنى عشر جاسوساً في شبكة عيزرا وتكشفت حقائق مذهلة عن تورط العديد من اليهود العراقيين، وانخراطهم في عمليات تجسس ليس بنية العمل على تهجير اليهود فحسب، إنما طالت الأسرار العسكرية وكل نواحي الجيش في العراق.وكانت وقائع المحاكمة عجيبة. . والأحكام التي صدرت أعجب. . فقد صدر الحكم بإعدام الدكتور عيزرا وعبد الجبار رمياً بالرصاص، والشنق والحبس للباقين الأحد عشر. . أما جنة المصدومة ، فقد حكم عليها رأفة بالسجن خمسة أعوام.أما زهيرة، فقد عادت من جديد تجوب شوارع بغداد كغزال شارد، تطاردها الأعين الجائعة، فلا تلتفت أو تنصت، خوفاً من الوقوع في غرام جاسوس. . آخر .. !!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق